الشيخ السبحاني
26
بحوث في الملل والنحل
القتلى ألفي ألف نفس ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العليّ العظيم ، وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم ، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوماً . ولما انقضى الأمر المقدور وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلّا الشاذّ من الناس ، القتلى في الطرقات كأنّها التلول ، وقد سقط عليهم المطر فتغيّرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد ، وتغيّر الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد ، حتّى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام ؛ فمات خلق كثير من تغيّر الجو وفساد الريح ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والطعن والطاعون فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . ولما نودي ببغداد الأمان ، خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنّهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم ، وقد أنكر بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى ، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الّذي يعلم السرّ وأخفى اللّه لا إله إلّا هو له الأسماء الحسنى ، وكان رحيل السلطان المسلّط هولاكوخان عن بغداد في جمادى الأُولى من هذه السنة ( 666 ه ) إلى مقر ملكه . « 1 » ثمّ امتدّت الهجمات بعد سقوط بغداد حتّى وصل جيش العدو إلى عين جالوت وغزة في فلسطين ، وكانت الأُمنية الكبرى للعدو هي الاستيلاء على الشامات ثمّ مصر ، ولكن الزحف توقف بتدبير الملك الظاهر بيبرس
--> ( 1 ) . البداية والنهاية : 13 / 200 - 213 .